08/24/2008 - تداعيات مريض نفسي ...
يقول بصوته الرخيم :
القصة بما فيها يا أمي أنني أحسد "خالد" في كل شئونه, حتى السيئ منها, أحسده في محبة الخباز الأفغاني له والذي كان يقدمه عليّ في طابور الجائعين, أحسده في تسريحة شعره, في قدمه اليسرى التي حققت كأس المدرسة للفصل 4/ج, طريقته في الكلام, حله للواجب المنزلي قبلي, قلمه البنفسجي والذي كنتِ تمنعيني من أن اكتب به حينما قلتِ متذرعة : عيب هذا للبنات بس !؛ أحسده في سيارة والده الفاخرة, في مصروفه اليومي – الخمسة ريالات – التي كانت تملأ جيبه, في بزته الهلالية الأنيقة, كانوا يكتبون عليها بالبنط العريض "سلكي لا سلكي" يا أمي .. هل تدركين معنى ذلك ؟
- لكن يا ولدي ...
أحسده حينما خرج ذات صباح على خشبة مسرح المدرسة. كنتُ يومها محتشداً مع الجماهير الغفيرة التي لم تكن تتابع المسرحية المملة, حيث كان خالد ينشد طويلاً عن الفقراء بصوته النشاز – كيف حالك إن شاء الله دائما بخير ؟ , كان يرتدي أسبال الفقراء وينتعل في عقبيه سواد الإسفلت ويعمم رأسه بغترة ممزقة, لكنه لم يرتدِ بؤسهم يا أمي, حتى وهو يتقمص دور الفقراء إلا أنه أنهاه مبتسماً, هل رأيتِ كم هو سعيد يا أمي ..؟ أقسم أني رأيت مدير المدرسة صاحب النظارة الصغيرة يكرمه بالأقلام الناشفة وعلب الألوان الخشبية وساعة حائط كبيرة باعتبار أن خالد ظهر فقيراً لمدة عشر دقائق فقط . تعلمين يا أمي أني كنتُ أظهر حينها كل صباح فقيراً معدماً أقتاتُ وجبة إفطاري من فتات رغيف ابتسامتكِ الحانية .. لمَ لم يكرمني المدير ؟.. هل كانت نظارته صغيرة كفاية إلى حد أنه لم يستطع تمييز أسبالي وبؤسي وفقري وعيشي الكفاف ؟
- لكن يا ولدي ...
إني أحسد خالد يا أمي .. أحسده في هروبه بسلام من أسوار المدرسة, كنا قد خرجنا معاً صوب الجدار الفارع, قفز خالد أولاً وساعده بذلك حذاءه الغير ممزق وهرب بعيداً إلى البوفيّه, هرب يا أمي, وحين تعلق ابنكِ بالجدار سقطت فردة حذائه الممزقة اللعينة, عدتُ مرةً أخرى لألتقطها, لكن التقطني عوضاً عنها مدير المدرسة المخيف ذو النظارة الصغيرة, بكيت حينها طويلاً يا أمي .. ولا زلتُ حتى هذا اليوم أعاني من فوبيا أصحاب المراكز العُليا, والسبب : فردة حذاء لعينة !
- لكن يا ولدي ...
إني أحسده يا أمي .. قبل أسبوع تقدمتُ لطلب يد "وفاء", لكن أهلها رفضوا وقالوا : تَوْ البنت على العرس, و تَوْ البنت تبي تكمل دراستها, و تَوْ البنت صغيرة ..... الخ !, وحين تقدم "خالد" بعدي بيومين وافقوا على الفور دونما أن يرددوا : "تَوْ" التي ملئوا رأسي بها, أحسده يا أمي .. أقسم أني أحسده ..
- لكن يا ولدي فيه ( ألف ) بنت تتمناك !
إنما يا أمي والدة خالد كانت تقول له : "( كل ) البنات يتمنينك يا ولدي" !
يوووووووه إني أحسده حتى في أمه يا أمي !
من أوراق صديق فوضوي ..
|